الشيخ محمد النهاوندي

27

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

والاجراء ، وأمر بطبخ الآجرّ والجصّ ونجر الخشب وضرب المسامير ، فشيّدوه حتى بلغ ما لم يبلغه بنيان أحد من الخلق « 1 » . قيل : كان ملاط القصر خبث « 2 » القوارير ، وكان الرجل لا يستطيع القيام عليه من طوله مخافة أن تنسفه الريح ، وكان طوله خمسة آلاف ذراع ، وعرضه ثلاثة آلاف ذراع « 3 » . فلمّا تمّ بناء الصّرح علاه فرعون ظانا أنّه يصير أقرب إلى السماء بحيث يمكنه رؤية ما فيها ، فلمّا نظر بعد ارتقائه فوقه إلى السماء رآها كما رآها من فوق الأرض ، فانفعل ورمى بنشابة نحو السماء ، فأراد اللّه أن يفتنهم فردّت إليه وهي ملطوخة بالدم ، فقال : قد قتلت إله موسى ، فعند ذلك بعث اللّه جبرئيل لهدمه وقت غروب الشمس ، فضربه بجناحه فقطعه ثلاثة قطع : قطعة وقعت على عسكر فرعون فقتلت ألف ألف رجل ، وقطعة وقعت في البحر ، وقطعة في المغرب ، فلم يبق أحد من عمّاله إلّا وقد هلك « 4 » . وروى القمي - في حديث - « فبنى له هامان في الهواء صرحا حتى بلغ في الهواء مكانا لا يتمكن الانسان أن يقوم عليه من الرياح العاصفة ، فقال لفرعون : لا نقدر أن نزيد على هذا ، فبعث اللّه عز وجل رياحا فرمت به ، فاتّخذ فرعون وهامان عند ذلك التابوت ، وعمدا إلى أربعة أنسر ، فأخذا افراخها وربيّاها : حتى إذا بلغت القوّة وكبرت ، عمدا إلى جوانب التابوت الأربعة ، فغرزا في كلّ جانب منه خشبة ، وجعلا على رأس كلّ خشبة لحما ، وجوّعا الأنسر ، وشدّا أرجلها بأصل الخشبة ، فنظرت الأنسر إلى اللّحم ، فأهوت إليه ، فصفّقت بأجنحتها ، وارتفعت بها في الهواء ، وأقبلت تطير يومها . فقال فرعون لهامان : انظر إلى السماء هل بلغناها ؟ فنظر هامان فقال : أرى السماء كما كنت أراها من الأرض في البعد . فقال : انظر إلى الأرض . فقال : لا أرى الأرض ، ولكن أرى البحار والماء . قال : فلم تزل الأنسر « 5 » ترتفع حتى غابت الشمس ، وغابت عنهما البحار والماء ، فقال فرعون : يا هامان انظر إلى السماء ، فنظر إليها ، فقال : أراها كما كنت أراها من الأرض ، فلمّا جنّهم الليل نظر هامان إلى السماء ، فقال فرعون : هل بلغناها ؟ قال : أرى الكواكب كما كنت أراها في الأرض ، ولست أرى من الأرض إلّا ظلمة . ثمّ حالت الرياح العائمة في الهواء ، فانقلب « 6 » التابوت بهما ، فلم يزل يهوي بهما حتى وقع على

--> ( 1 ) . تفسير الرازي 24 : 253 . ( 2 ) . الخبث : ما ينفيه الكبر من الحديد ونحوه عند إحمائه وطرقه . ( 3 ) . تفسير روح البيان 6 : 406 . ( 4 ) . تفسير الرازي 24 : 253 . ( 5 ) . في النسخة : النسر . ( 6 ) . في النسخة وتفسيري القمي والصافي : فأقبلت .